**هذا الحبيب**
في ليلة سوداء .. كليالي نيسَان الحارقة.. همت بي نفسي وضاقت على الطرق , حملت أشلائي المبعثرة ودخلت هناك .. أدرت المكان بعيني .. ولم يلحظني احد , فجلست ووضعت أوراقي وهمومي على الطاولة وأفرغت آهــة حارقة من جوف قلبي الملتهب .. كادت تشعل في المكان ناراً لظى .. لن ولا تطفئها مياه العواصف .
أخذ التفكير مني حتى هدني .. فأرجعت رأسي للخلف قليلا ورفعت نظري للسماء .. وفجأة .. وكأنما أحسست بأحدهم يراقبني .. شعرت وكأنما هناك عيناً تختلس النظر, فصرت أبحث عنها هناك .. في ذلك المكان .. بعيني حتى وقعت عليه .
لقد كان هناك منذ زمن يلاحظني ويترقب مني إهتامي .. لكني لم أكن أعلم ......ويح نفسي لم تبصره! ...
لم أطل النظر.. فما أن وقعت عليه عيناي حتى رفعتها عنه في شي من الخجل ولا مبالاة , ولكن .. لا أعلم شعرت برغبة مرة أخرى بأن انظر إليه فلمحته بسرعة البرق وكنت أشعر بلهفته نحوي وتشوقه إلي , كنت أحارب رغباتي وأفكاري .. كنت أهرب من النظر إليه فقد كنت في مزاج حاد مابين الضيق والكرب .. فازدادت رغباتي حتى تململت منها وأخذت الأفكار تصارعني والحيرة تمزقني .. حتى أنه خيل إلي أنه يناديني .. يريدني أن آتي إليه أن أرمقه بنظرة ساخنة متأملة جماله وحسنه .. ولكني كنت كثيرة المقاومة إلى أن غلبتني الإرادة واستسلمت أخيرا , فوضعت ما كان بيدي ورفعت عيناي إليه وحدقت به حتى تبســـم لي وانتزع مني بسمة أثلجت لهيب صدري .
كان يجلس هناك وحيدا .. بلا رفيق .. كان يجلس هناك ينتظر قدومي .
نعم ... لقد كان ينتظرني فقد علمت ذلك من شوق عينيه , لقد كان هناك باسطاً كفيه لي فاتحاً قلبه الكبير.. لأرويه بدموع أتراعي وأحزاني .. ولا أعلم ماذا حدث وكأن قوةً إلاهية انتزعتني من مكاني .. وكأنما ألقى السحرةُ علي بسحرهم فصرتُ لهم منقادة .. فسيروني وحملوني من على ظهر كرسي هذا .. نهضت وأنا أعلم بأنني قد خرجت عن جسدي وأن روحي قد سبقتني إلى هناك .. حملت جسدي وتوجهت إليه لا أبالي بمصيري , وكأنه يشدني إليه بحبائله السرية الساحرة ... حتى أصبحت أقف على رأسه فأخذت أتأمله ساعة حتى اغرورقت عيناي....!
إنني أعرفه ولكني هجرته مراراً .. ومراراً .. ومرار
وجلست بين يديه ... فكأنما فتحت أبواب السماء ... وغلفنا نور ألاهي من جنة الفردوس ... وطوقتنا ملائكة الرحمة ... وأحسست بفرحة عارمة تعصف بقلبي ... وهاهي أدمعي تنهمرعلى وجنتي لتغسل آثار التعب عني وتطمس نقش السنون على وجهي .. أخذت أتحسسه بيداي المرتعشتان , حملته وكأني أريد أن أُولجَهُ إلى داخل صدري وأن أغلق عليه هناك فلا يخرج أبداً .. ثم تحركت شفتاي بما قرأته عيناي ونطق قلبي بروعته قائلا :
(( إنَّ هذا القُرءانَ يهدي للتي هىَ أَقومُ ويُبشِرُ المُؤمنينَ الَّذينَ يعملُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُم أَجراً كَبِــيراً ))
فسرى في جسدي تياراً هز وجداني .. وتصلب شعري .. ورق قلبي .. وأضحَ الدمعُ بين المحاجرِ والخدِ ........ لجمال هذا الحبيب ... ((القرآن الكريم)) .
وراحت عيناي تنتقل من آية إلى أخرى ومن كلمة إلى أختها ومن سطر إلى سطر وأخذت أقلّب في الصفحات الربانية صفحة تلو الأخرى .. أسافر مابين ((يوسف)) و ((الإسراء)) وأرتحل بين ((البقرة)) وبين ((آل عمران)) .. حتى ظنت الآياتُ بأنه قد مسني شياً من الجنون وبقيت على حالي ... حتى تفجرت عيناي بحاراً .. .. وأغرقت أدمعي ما لحقت مني .. وغصت فيها حتى تجرعتُ ملوحتها .. وانصرمت حبائل روحي مني .. وانبرى جسدي .. وتحرقت مهجتي كما تحرق مني القلبُ والكبد .. لهجرِ هذا الحبيب ..
فيا لهفَ نفسي على نفسي ويا أسفي على فرقِ هذا الحبيبِ طيلة الدهرَِ

كتبها زهرة الجبل في 10:48 صباحاً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: زهرة الجبل
